السعودية تتقدّم استثمارياً: لا لتكرار «أخطاء الماضي» في سوريا
بين فرص الاستثمار وضرورات التوازن الإقليمي، يبدو أن الرياض عازمة على عدم تكرار «أخطاء الماضي»؛ إذ تتقدّم المملكة بثبات نحو الساحة السورية، مدفوعةً بمزيج من الحسابات الاقتصادية والاعتبارات السياسية، في مسعى لحجز موقع مؤثّر في مرحلة ما بعد سقوط النظام.


دمشق | للمرة الثانية في أثناء أسابيع قليلة، يحطّ وفدٌ اقتصادي سعودي رحاله في قصر الشعب في دمشق، ويوقّع مجموعةً من مذكّرات التفاهم والاتفاقيات الاقتصادية الرامية إلى تنفيذ مشاريع استثمارية، تُقدَّر كلفتها بنحو 5.4 مليارات دولار. وبهذا، يصبح إجمالي كلفة المشاريع الاستثمارية السعودية المُعلَن عنها منذ سقوط النظام السابق، والمخطَّط لتنفيذها، أكثر من 16 مليار دولار.
وبغضّ النظر عمّا إذا كان ما جرى التوقيع عليه يندرج في إطار مذكّرات تفاهم أو اتفاقيات نهائية، فإن الانفتاح الاقتصادي السعودي الواسع على البلاد، بعد سقوط النظام السابق، والذي تُرجم أيضاً بزيارات متبادلة لوفود حكومية من البلدين، يطرح جملة من التساؤلات حول أهداف الرياض من هذا الانفتاح، أبرزها: هل يقتصر الأمر على الحرص على استعادة سوريا لاستقرارها، وما يعنيه ذلك من تجنيبها سيناريوات أخرى غير محمودة النتائج بالنسبة إلى دول المنطقة؟ أم إن الهدف يتصل بالسعي إلى ملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الإيراني من سوريا، وبالتالي منع تفرّد دول إقليمية أخرى بالساحة السورية؟
هنا، قد يقول البعض إن الغاية ربما تكون اقتصادية بحتاً، بالنظر إلى ما تملكه سوريا من فرص استثمارية كبيرة، ولا سيما بعدما نالت الحرب من مواردها وبُناها التحتية والخدمية. غير أن هذا الطرح يصحّ عندما يكون قرار الاستثمار قد اتُّخذ بناءً على معطيات ومؤشرات اقتصادية فحسب، وليس نتيجة قرارات وتوجيهات سياسية.
وفي هذا المجال، يحضر مثالان: الأول، يتمثّل في عدم اهتمام الشركات الروسية بالاستثمار في سوريا قبل عام 2024، رغم الحضور السياسي والعسكري الواسع لموسكو فيها، علماً أنه عندما سُئل مسؤول حكومي، في اجتماع خاص عُقد قبل سنوات عدة، عن سبب ذلك، قال بوضوح: «من يعمل في روسيا اليوم شركات خاصة بالكامل، وهي تبحث عن مصالحها في المقام الأول، ولا تستطيع القيادة الروسية أن تُجبرها على الاستثمار هنا أو هناك». أما المثال الثاني، فهو ما ينقله اقتصادي عربي، في حديثه إلى «الأخبار»، عن دبلوماسي سعودي يعمل في إحدى الدول الأوروبية، ردّ، عند سؤاله عن ماهية توجّهات بلاده حيال مستقبل العلاقات الاقتصادية مع «سوريا الجديدة»، بجملة بسيطة وواضحة: «توجيهات المملكة لقطاع الأعمال… اذهبوا للاستثمار في سوريا».
تغيّر في الأولويات!
لعلّ ما يعزّز أهمية تلك التساؤلات، هو التراجع التدريجي الذي سجّلته الاستثمارات السعودية المتجهة نحو الدول العربية في أثناء السنوات الثلاث الأخيرة. ففي العام ما قبل الماضي، بلغت قيمة هذه الاستثمارات نحو 1.3 مليار دولار، متراجعةً بشكل كبير عن عام 2023 الذي سجّل نحو 7.2 مليارات دولار، وكذلك عن عام 2022 الذي بلغت فيه نحو 10.8 مليارات دولار. وفي المقابل، كانت الاستثمارات الإماراتية في الدول العربية ترتفع من نحو 33.4 مليار دولار عام 2022، إلى نحو 42.6 مليار دولار في 2024.
ويؤكّد هذا المسار، بدوره، «الصبغة» السياسية للاستثمارات السعودية في المنطقة العربية - وهي صبغة ليست سلبية بالضرورة، طالما أنها لا تترادف مع التدخل في الشؤون الداخلية للدول -؛ حيث تجهد الرياض للظفر بما أمكن من الاستثمارات العربية البينية في إطار المشروع المعروف بـ«رؤية 2030». وفي عام 2022، حلّت المملكة في المرتبة الأولى في قائمة مستقبِلي تلك الاستثمارات لناحية العدد، وفي المرتبة الثالثة لناحية القيمة. كما بقيت، عام 2023، الأولى من حيث العدد، لكنّها حلّت في المرتبة الرابعة من حيث الكلفة الاستثمارية. أما في عام 2024، فجاءت الثانية على مستوى المشاريع، والخامسة على مستوى الكلفة الاستثمارية.
تبقى العبرة أولاً في نسب التنفيذ المتحقّقة، وثانياً في حجم التدفّق الاستثماري الفعلي الوارد إلى البلاد
وبالعودة إلى ما قبل عام 2011، أي تاريخ اندلاع الأزمة السورية، نجد أن الاستثمارات السعودية، وفقاً لبيانات سورية، أتت في المرتبة الأولى بين الاستثمارات الأجنبية المنفَّذة في سوريا (باستثناء قطاع العقارات والمساكن)، بكلفة بلغت نحو 78 مليون دولار (على أساس سعر صرف 50 ليرة للدولار الأميركي). غير أن ذلك لم يكن ليعكس حضوراً استثمارياً متميّزاً للمملكة، ولا سيما أن الأردن كان يملك، هو الآخر، استثمارات تُقدَّر قيمتها بنحو 70 مليون دولار، وأن لبنان أيضاً بلغت كلفة استثماراته نحو 62 مليون دولار.
كذلك، يعكس التوزّع القطاعي لتلك الاستثمارات بعداً اقتصادياً أكثر منه سياسياً؛ إذ تمركز الحجم الأكبر من الاستثمارات السعودية في قطاع الفنادق والمطاعم بنحو 49 مليون دولار، ثم في قطاع الصناعات الغذائية بنحو 14 مليون دولار. أما اليوم، فالوضع مختلف تماماً عمّا كان عليه في السابق، سواء من حيث إجمالي كلفة المشاريع الاستثمارية أو من حيث توزّعها القطاعي.
السياسي والاقتصادي معاً
يجزم الاقتصاديون أن جميع المشاريع المتفق عليها مع الشركات السعودية تتمتّع بجدوى اقتصادية عالية، من الطاقة إلى النقل الجوي وصولاً إلى الاتصالات وغيرها. إلا أنّ توجّه هذه المشاريع نحو سوريا، في وقت لا تزال فيه دول وشركات استثمارية عربية ودولية أخرى تتريّث وتنتظر جلاء ما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد، يؤكّد أن الرياض جمعت بين البعدين السياسي والاقتصادي في انفتاحها على سوريا.
فمن جهة، ستكون المملكة حاضرة في مواجهة النفوذ التركي - القطري المتعاظم بعد سقوط النظام، ولن تكرّر خطأ الماضي عندما اكتفت بمطالبة النظام السابق بإخراج إيران أو تقليص نفوذ الأخيرة العسكري والاقتصادي، من دون أن تفعل هي شيئاً على الأرض. وهكذا، إذا كانت قطر قد حصلت على مشروع «مطار دمشق»، فإن المملكة حصلت على مشروع «مطار حلب»؛ وإذا كانت تركيا قد نالت عقداً في «مرفأ طرطوس»، فقد حازت المملكة عقد تأسيس شركة طيران.
ومن جهة أخرى، تضمن الرياض حجز أهم فرص الاستثمار المؤثّرة في المشهد الاقتصادي السوري - من مثل مشاريع الطاقة والاتصالات والنقل وغيرها -، وذلك بخلاف المرحلة السابقة التي كانت فيها اهتمامات الشركات والمستثمرين السعوديين تتجه أساساً نحو العقارات والسياحة، الأسرع بعوائدها المالية. وإلى جانب ما تقدّم، تستمر السعودية في ترسيخ حضورها «الإنساني» والتنموي، دافعةً بمشاريع المساعدات التي تنفّذها مؤسسات مرتبطة مباشرة بالقيادة السعودية.
وعلى أيّ حال، تبقى العبرة أولاً في نسب التنفيذ المتحقّقة، وثانياً في حجم التدفّق الاستثماري الفعلي الوارد إلى سوريا. فالأخيرة تمتلك تجربة مريرة مع ملف الاستثمارات؛ إذ إن نسبة لا يُستهان بها من المشاريع الاستثمارية المشمولة بموجب قوانين الاستثمار وقراراته في مختلف القطاعات كانت لا تجد طريقها إلى التنفيذ، أو حتى إلى الحصول على التراخيص اللازمة. أما اليوم، فلا تبدو المشكلة الأساسية كامنة في تعقيدات بيئة الأعمال السورية وبيروقراطيتها، بقدر ما هي مرتبطة بقدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق الاستقرار وإرساء الأمن في عموم البلاد، واعتماد استراتيجية وطنية واضحة تحدّد مسارات الاقتصاد الوطني وهويته في المرحلة المقبلة.
